الشنقيطي

143

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

قُلُوبِهِمْ [ التوبة : 109 - 110 ] الآية . فهذه الآيات تدل على التباعد عن موضع ذلك المسجد وعدم القيام فيه كما هو ظاهر . وأما كراهة الصلاة إلى التنور فلما رواه ابن أبي شيبة في المصنف عن محمد بن سيرين : أنه كره الصلاة إلى التنور ، وقال : هو بيت نار . وظاهر صنيع البخاري أن الصلاة إلى التنور عنده غير مكروهة ، وأن عرض النار على النبي صلى اللّه عليه وسلم في صلاته يدل على عدم الكراهة . قال البخاري في صحيحه ( باب من صلى وقدامه تنور أو نار ، أو شيء مما يعبد فأراد به اللّه ) وقال الزهري : أخبرني أنس قال قال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : « عرضت عليّ النّار وأنا أصلّي » حدثنا عبد اللّه بن مسلمة ، عن مالك ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن عبد اللّه بن عباس قال : « انخسفت الشّمس فصلّى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ثمّ قال : « رأيت النّار فلم أر منظرا كاليوم قطّ أفظع » « 1 » اه . وعرض النار عليه صلى اللّه عليه وسلم وهو في صلاته دليل على عدم الكراهة ، لأنه لم يقطع . وقد دل بعض الروايات الثابتة في الصحيح على أن النار عرضت عليه من جهة وجهه لا من جهة اليمين ولا الشمال ، ففي بعض الروايات الصحيحة أنهم قالوا له بعد أن انصرف : يا رسول اللّه ، رأيناك تناولت شيئا في مقامك ، ثم رأيناك تكعكعت - أي تأخرت - إلى خلف ؟ وفي جوابه : أن ذلك بسبب كونه أر النار . . إلخ « 2 » . فهذا هو حاصل كلام العلماء في الأماكن التي ورد نهي عن الصلاة فيها ، التي لها مناسبة بآية الحجر التي نحن بصددها - والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى : وَآتَيْناهُمْ آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ ( 81 ) [ 81 ] . ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أنه آتى أصحاب الحجر - وهم ثمود - آياته فكانوا عنها معرضين . والإعراض : الصدود عن الشيء وعدم الالتفات إليه ؛ كأنه مشتق من العرض - بالضم - وهو الجانب ؛ لأن المعرض لا يولي وجهه بل يثنى عطفه ملتفتا صادا . ولم يبين جل وعلا هنا شيئا من تلك الآيات التي آتاهم ، ولا كيفية إعراضهم عنها ، ولكنه بين ذلك في مواضع أخر . فبين أن من أعظم الآيات التي آتاهم : تلك الناقة التي أخرجها اللّه لهم . بل قال بعض العلماء : إن في الناقة المذكورة آيات جمة : كخروجها عشراء ، وبراء ، جوفاء من صخرة صماء ، وسرعة ولادتها عند خروجها ، وعظمها حتى لم

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الصلاة حديث 431 . ( 2 ) أخرجه عن ابن عباس : البخاري في الكسوف حديث 1052 ، والنكاح حديث 5197 ، ومسلم في الكسوف حديث 17 ، والنسائي في الكسوف باب قدر القراءة في صلاة الكسوف ، ومالك في الكسوف حديث 1 ، وأحمد في المسند 1 / 298 ، 358 .